الجزء الأوّل …
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اليوم .. سأحكي حكاية ..
و لو استطعت ، لنسجت رواية ..
حكاية عفاف ..
بل هي حكاية استعفاف ..
هي ليست حكاية مِن خيالي ..
أو فِكرة طرأت في بالي ..
بل هي حكاية حقيقية …
بطلتها (( عفاف ))
خرجت يومًا مِن محاضرتي ، و ذهبت لصديقةٍ لي في قِسم الرياضيات ..
كنت أعلم أنها في قاعة ( 17) ، قاعةٌ تحتوي على شبكة ( تلفزيون ) ، ليعطي الدكتور مِن خلالها محاضرته ..
مكثت في الخارِج أنتظر خروجها ، و لمّا فُـتِح باب القاعة ، و بدأت ( وفود ) الطالبات بالخروج ..
كنت أنظر إلى كل طالبة تخرج ، لعلّي أرى صديقتي ..
مِن بين الطالبات .. خرجت فتاةٌ سمراء !
لم يلفِت نظري ( سمارها ) ، فهذا أمر مألوف ..
لكن لفتت نظري ( هيئتها ) ..
كانت تلبس ( الشيلة ) السوداء و تغطّي به كامل رأسها ، لكنّ هذه ( الطَرحة ) انحسرت للخلف و بدت مقدّمة شعرها الأجعد ..
نظرت إليها و قد بدت مقدمّة شعرها و كان أشعث ..
و ربمّا عجزت ( الطَرحة ) عن لملمة هذا الشعَث ، فأخرجت شعرات مِن رأس عفاف و ( الطرحة ) مُرغمَة !
خرجت عفاف بذلك الجِسم النحيل جدًا ! و قد حملت معها أغراضها ، و بدأت تمشي بخطوات نحو ساحة الجامعة ..
كانت ( عفاف ) وحيدة ، و لم يخرج معها صاحبات !
حينها ..
خمّنت أنها ليست سعودية !
و أنها أتت مِن دولة أفريقية كي تدرس عندنا !
هكذا اعتقدت ، و هكذا فكّرت ..
ربما لأنني تعوّدت على ( بهرجة ) الطالبات ..
تعوّدت أن أرى الطالبات و هنّ في كامِل زينتهنَّ ! و كأنهنّ آتيات لحفل زفاف و ليس إلى جامعة و مكان عِلم !
ربما لأنني كنت أظن أنّـه لا يدخل الجامعة إلا الطبقة المقتدرة ..
لا أدري ..
لا أدري ، لماذا ظننت أنها أفريقية و ليست سعودية .
خرجت صديقتي مِن القاعة ، و مضيت معها إلى مكان جلوسنا ..
إلى تلك ( الفَــرشة ) الزرقاء التي تقبع في إحدى زوايا ساحة الجامعة .
كنت و صديقاتي العشرة نجتمع على تلك ( الفَـرشة ) ..
نضحك سويًا ، نمرح سويًا ..
و لنا أوقات جادّة ، نقرأ فيها مِن كتاب ، أو تـُـلقى كلمة مفيدة .
هُناك ..
على تلك الفرشة الزرقاء ، وجدت ( عفاف ) !
لا أدري لماذا اختارت فَرشتنا الزرقاء ؟؟
لا أدري لماذا اختارت الجلوس على تلك الفرشة و في تلك الزاوية ..
هُناك ..
و في زاوية ضيقة ، كنّا ( نُلقي ) بالعباءات فيها حتى لا يصِلها شيء مِن ( نفايات الساحة ) أو ( غبار الأرجل الماشية )
هُناك ..
و بجوار تلك العباءات كانت تجلس ( عفاف ) ..
كانت صامتة ، في عينها انكسار ..
كانت تجلس و قد انثنت على نفسها و ترقب الطالبات بعينيها ..
جلسنا ، و قامت بعض صديقاتي ليشترينَ لنا فطورًا مِن ( كافتيريا ) الجامعة ..
التفتت إحدى صديقاتي لتلك الزاوية فوجدت ( عفاف ) تنظر إلينا ثم تحاوِل أن تصرِف نظرها إلى ساحة الجامعة ..
ثم مدّت صديقتي مبلغًا إضافيًا و قالت ( اشتري كذا و كذا )
لمّا أُحضـِـر الفطور ، دعت صديقتي ( عفاف ) و طلبت منها أن تنضمّ إلينا و تشاركنا حلقتنا الكبيرة !
ثم أعطتها فطورها .
و ظلّت ( عفاف ) صامتة ..
منكفئة على نفسها ، تأكل على استحياء ..
حاولت أن امزح معها ، و أن أتحدّث إليها ، و كانت إجابتها بحركة رأسها فقط !
إمّا ” نعم ” أو ” لا ” !
فجعلني هذا الأمر أتأكد أن ( عفاف ) أفريقية !
لمّا بدأ موعِد المحاضرة ..
قامت عفاف ..
رأيت ذلك الجسد النحيل و ذلك الظهر الأحدب !
رأيت ( تنورتها ) و قد ارتفعت عن كعبيها قليلًا ، و كانت شِبه مهترئة و كأنها تلبسها منذ سنوات طويلة ..
رأيت ذلك ( النِعال ) و قد أدخلت رجليها فيه و كان أثر قِدَمِ الزمان يتحدّث عنه ..
قامت ( عفاف ) و هي تحمِل حقيبةً في جنبها و مضت ، بدون أن تسلّم علينا أو تتكلم بكلمة واحدة .
مضت سنة على رؤيتي لِـ ( عفاف ) ..
إن التقيتها فإني أجدها لا تفارِق تلك الزاوية !
أمدّ يدي مصافحةً لها ، فتمدّ يدها و هي صامتة !
أسأل عن حالها ، فتهزّ رأسها و قد تقول ( الحمد لله ) بصوت حزيييييين .
ثم تخرّجت صديقاتي و بقيت أنا ..
و العجيب أنّ ( عفاف ) بقيت كذلك !
و يشاء الله عز و جل أن أتعرّف على إحدى الطالبات مِن قِسم ( عفاف ) ..
و مِن خلالها ، عرفت مَن هي عفاف !
و العجيب أنّ ( عفاف ) كانت سعودية ! و مِن قبيلة معروفة و كبيرة .
*******************
سأكتب تفاصيل ( عفاف ) ، و تعرّفي عليها و حصولي على رقم جوالها
لكن في الجزءالثاني بإذن الله .
و شكر الله لكم
===========================
الجزء الثاني …
بعدما تخرّج صديقاتي بقيت بعدهنّ ..
كنت أجلس على ( فَرشتنا ) الزرقاء !
و ما غيّرت المكان .
كنت أجلس وحدي ، و كنت وحيدة ، فلم يعد لديّ صديقات ..
و أنا اخترت أن أبقى وحيدة بدون صديقات !
و كنت أتذكّر ( عفاف ) ، و جلوسها لوحدها و بدون صديقات ..
ثم يشاء الله عز و جل أن أتعرّف على ( ريم ) و كانت في نفس قِسم ( عفاف ) ..
لم تكن ( ريم ) صديقتي ، و لكن قدّر الله أن أتعرّف عليها ..
و كنت أراها يوم الثلاثاء فقط ، حيث يوجد بيننا وقت فراغ مشترك مِن الساعة التاسعة و النصف حتى الحادية عشرة و النصف ..
كانت علاقتي بِـ ( ريم ) ، علاقة زمالة فقط .
كان تعرّفي على ريم في الفصل الدراسي الثاني ..
و كنت أرى ( عفاف ) بالصدفة !
لأنها هجرت الفَرشة الزرقاء … بينما بقيت أنا متشبثـّـة بها ؟!
إذا رأيتها كنت أمدّ يدي لمصافحتها و أهشّ لها و أبشّ ، و أسأل عن أحوالها ..
و كعادتها … تكتفي بإشارة الرأس ! و أحيانًا تقول ( الحمد لله ) .
و في يوم ..
أتت إليّ ( ريم ) و قالت :تعرفين ( عفاف ) ؟؟
قلت : نعم أعرفها ، أظنها ليست سعودية ؟!
قالت : بل هي سعودية و مِن قبيلة ( …… ) .
قلت : كنت أظنها أفريقية !
قالت بلغة حزينة و ذهول : لقد رأيتها رابطة بطنها مِن شدة جوعها !
و أستاذتنا تعرفها و تعرف أحوالها المادية ، و تعرف شدّة فَقرهم ، و قد تحدثت إليّ و إلى بعض صديقاتي كي نقدّم لها المساعدة ..
حينها أصابني الوجوم !
ظللت صامتة ، و كأني مذهولة مِن نفسي ..
كيف لم أشعر بحاجة ( عفاف ) ؟؟ كيف لم أعرِف فقرها الشديد ؟؟
نعم ..
هيئتها تدلّ على حالة الفقر ، لكنني لم أكن أتصوّر أن تُجمَع لها الصدقات ..
قالت لي ( ريم ) : نحن جمعنا مبلغًا ممتاز ، و نريد أن نوصله لها ، و لا يوجد مَن يوصله ..
قلت : أنا أستطيع ذلك ..
قالت : و هناك مبلغ خصصناه كي نشتري لهم بعض المواد الغذائية .. و لكن مَن يشتريها لهم ؟؟
قلت : لا بأس ، سأطلب مِن والدي و لن يقصّر إن شاء الله .
قالت ( ريم ) : تصدقّــين أنهم أحد عشر فردًا بالبيت و ( عفاف ) أكبرهم ..
و والدها لا يعمل ، و هُم فقراء للغاية .
قلت : الحمد لله الذي أغنانا عن خلقه ، أسأل الله العظيم أن يفرّج عنهم .
بعد يومين .. أحضرت لي ( ريم ) ظرف و فيه مبلغ كبير ..
و أخذت منها رقم ( الأستاذة ) كي تصِف لي عنوان بيت ( عفاف ) ..
و لمّا عدت إلى البيت : اتصلت بالأستاذة و أخذت منها الوصف ..
و ذهب والدي – وفقه الله – و اشترى لهم ما يحتاجون مِن مواد غذائية ..
و لكنني لم أعطِه المبلغ !!
أتدرون لماذا ؟؟
لأنّ ( عفاف ) قالت للأستاذة : والدي موجود بالبيت و لا أريده أن يعرِف بقِصّة المبلغ
دعيهم يحضرون الغذاء و المبلغ ، يأتون به فيما بعد .
ثم قلت للأستاذة : هاتي رقم ( عفاف ) ، حتى لا نتأخر و في كل مرّة نحتاج أن تكوني وسيطًا بيننا .
(( عفاف لا تملك مالًا لتشتري جوال أو تحصل على شريحة ، و إنما تبرّع لها أحدهم بشريحة جوال و جهاز ))
تبادر إلى ذهني سؤال ..
لماذا لا تريد ( عفاف ) أن يرى والدها المبلغ ؟؟
أتُـرى والدها يستحي مِن الصدقة ؟؟
لو كان يستحي مِن الصدقة ، لماذا خرج على والدي بِـ ( عصاة غليظة ) و كأنّـه سيواجِه مجرمًا !!
حتى أنّ والدي استغرب مِن طريقة ( والد عفاف ) ، و ( تبجّــحه ) و سوء معاملته و لسانه ..
ثمّ أخبرتنا الأستاذة ، خبرًا حزينًا موجعا ..
قالت : والد ( عفاف ) رجـُـلٌ مُدمِن !!
و يأخذ المال و يصرفه على إدمانه .. و كان يضرب ( عفاف ) حتى يأخذ مكافأتها الجامعية و ينفقه على شُربه و إدمانه .
حينها ( تراءت ) لي صورة عفاف ..
حُزنها ..
انكسارها ..
صمتها الطويل ..
و قلت : تحمّلتِ يا ( عفاف ) شيئًا كبيرا ..
ثمّ اتصلت على عفاف و قلت لها : أنا أختكِ ، و لا تستحي منّي في أمر و أي أمر تريدينه فبلغيني فورًا ..
(( عفاف ، لا تعرف أنني تلك ( الطالبة ) التي ألتقي بها في الجامعة ))
و لمّا سألت عن اسمي ..
لم أعطِها اسمي الحقيقي حتى لا تعرفني و تشعر بالحرج ، كلما رأتني بالجامعة ..
قلت لها : قولي لي ( أم يوسف )
و بقيت أقابلها بالجامعة ، و أتحدّث إليها ..
و سألتها مرّة : مَن يحضرك للجامعة ؟؟
قالت : والدي .
فأخذني الفضول كي أرى هذا الأب !!
الأب الذي كان مِن المفترض أن يكون مصدر أمان للعائلة ..
يكون منبع الحنان و حِصن الأولاد ..
لكنه ، و لشهوةٍ و نزوة ..
صار مصدر رُعب ..
صار أبناؤه يهربون منه ..
و في أحد الأيام كنت عند بوابة الخروج ألبس عباءتي ..
و رأيت ( عفاف ) تقِف بعيدًا عني و تلبس عباءتها ..
و أنا وقفت أنتظرها حتى تخرج و أخرج خلفها !
لبست العباءة و أدخلت يديها في القفازين ثم أسدلت الغطاء على وجهها و مضت للخارج ..
ثم تبعتها ، لأرى والدها ..
لمّا رأيته قلت ( حسبي الله و نِعم الوكيل ) .
كان يقِف بطريقة مائلة و يلبس ثوب أبيض ، فتح أغلب أزاريره ، و على رأسه ( شماغ ) قصيرة تصِل إلى أسفل كتفه قليلًا ..
و كان شكله ( منفّـر ) ، و لا أدري هل وجهه يحمل ( شارِب ) ، أم أنّ ( شاربه ) يحمل وجهه !
و لمّا اقتربت منه ، مضى أمامها و هي تسير منكسرة خلفه ، بتلك الحقيبة الكبيرة .
ثمّ مضيت إلى سيارة والدي و أحسست أنني لن أجازي والدي على إحسانه .
لم تنتهِ قِصة ( عفاف ) بتخرّجي ، فقد بقيت صلتي بها قائمة ..
فمِن المواقف المؤلمة ..
كنت في السيارة مع والدي ، و كنا ذاهبين إلى السوق لِنشتري ملابسًا لي
فانطلقت مِن جوالي ( نغمة رسالة ) ..
لمّا فتحتها وجدتها مِن ( عفاف ) و تقول فيها :
إذا عندكم ملابس ما تبغونها ، فنحن نحتاج إليها .
قلت : يا الله ..
أنا ذاهبة للسوق لأشتري الجديد ، و هي تطلب ملابسًا مستعملة ..
كم هِي النِعم التي أنعم الله بها علينا ، و لكننا غافلون .
و في يوم العيد ..
فرِح الجميع بالعيد ، و الكل بدأ يرسِل رسائل العيد
و فتحت قائمة الأسماء كي أرسل رسائل العيد ، ثم تخطّـيت اسم ( عفاف ) ..
لم يطرأ في بالي أن أهنئها بالعيد ، فهي لا تعرفني و أنا غاب عن ذهني أنها تحتاج لتهنئة ..
و في الظُهر ، رنّ جوالي ..
فنظرت في شاشة الجوال و رأيت اسم ( عفاف )
و فتحت الخط و كلمتني بذلك الصوت الكسير الحزين و هنأتني بالعيد ..
ثم أغلقت الخط قبل أن تكمِل الدقيقتين !
هذه هي ( عفاف ) ..
و اسمها الحقيقي ليس ( عفاف ) ! و لكنني اخترت لها هذا الاسم لأنها كانت ( عفاف ) ..
استعففت عن السؤال ..
لم تكن تشكي حاله لأحد ..
هي لا تعلم أنني أعلم بحال والدها ..
( عفاف ) كافحت و اجتهدت و تخرّجت مِن الجامعة بشهادة .
لم يمنعها فقرها مِن الدراسة .
أنا كتبت القِصة لأقول :
كَم مِن الآباء مَن يجني على أبنائه ..
كم نغفل عن أمثال هؤلاء الفقراء ..
كم نغمض أعيننا عن نِعم الله الكثيرة علينا و نركّز النظر على ما سُلِب منّا أو ما ابتلانا الله به .
كم طغت المصالِح على علاقاتنا ، و نسينا معنى التكافل .
كم و كم في هذه القصة ..
الله اعفُ عن جهلنا ، و ارحم ضعفنا ، و فرّج هًم كل مهموم ، بات ساهرًا يدعوك و قد أحرقت خدَّه دموعُـه ..
فيناجيك و يرتجي رحمتك ، و قد فقدَ كل حيلة و الناس لا يدرون عنه .
( يبه ) يا أقرب أقرابي = يا أغـلى ناسي و أحبابي
يا كـل الناس بعـيوني = دخيلك قـول لي ( لبيه )
*****
( يبه ) بأشرح لك أوضاعي = و بأشكي لك مِن أوجاعي
يبه شفني و شف وجـــهي = كسـاه مِن الحزن كاسيه
رابط الحِفظ
http://www.abunawaf.com/filesplus/20…-5k01VquCsR.rm
مع اختلاف السبب بين ( عفاف ) و بين صاحبة القِصة في الأنشودة .