غبت وسأغيب

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

غِبت في الفترة السابقة لظروف انشغالي وارتباطاتي

والآن سأغيب وعسى الله ييسر أمري .

 

في حياتي ..

اتخذت قلمي صديقي ومتنفسي

حتى لما تضيق بي الدنيا .. آخذ دفتري الكحلي وأكتب فيه .

 

أشعر بارتياح مع هذا القلم ..

أراه برغم إثقالي عليه إلا أنه يبتسم حين يشاركني مشاعري وأحداثي .

 

سأغيب إن شاء الله ولا أدري متى أعود ..

 

دعواتكم أن ييسر الله أموري وأن يحقق آمالي .

 

ما زلت أرنو أمامي بعين الأمل

وإني لأرجو أنّ ( فجْـر ) ( أملي ) قد اقترب موعد بزوغه وانبثاقه .

 

أختكم // دمعة الأسحار .

يا دمعةَ شوقٍ مِـن عيني تحدرتْ

بسم الله الرحمن الرحيم

 

كنت على سريري أذكرُ الله ، و أشغِل نفسي به سبحانه عن هوى النفس

و مُتع الدنيا التي تقودني للحرام و تبعدني عن الله ..

 

و أنا على حالي ..

و لا أحدٌ مِن أهل بيتي عندي ..

 

إذ بصوتٍ مجلجل هزّني هزّا ..

و شدَّ مسامعي شدّا ..

 

الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .

 

صوتٌ شدني ، فدخل لنفسي المضطربة فهدأ مِن روعها ..

 

بدأت أردد مع المؤذن آذان العِشاء ..

ثم انتهيت بعد انتهاءِ المؤذّن و صليت على الحبيب و ذكرت الدعاء الوارد ..

 

===============

 

بعد الأذان ..

 

تحدّرتْ مِن عيني دمعة ..

و أصابني نشيج و أزيز ..

 

تذكّرت خطاي للمسجد ، و صلاتي فيه .

 

تذكرت سجودي للواحد الأحد ..

أعفــّر وجهي لله الصمد ..

 

أسجدُ له سجدة تنسيني الدنيا و ما فيها

أحمد الله أن هَدَاني و بصّرني

 

فأرى مـَـن حوالي ليسوا على التوحيد

و غيري وُلدوا في ديار المسلمين فتركوا صلاتهم ..

 

فأحس بأني في نعمة لم يشعرْ بها غيري ..

 

سجدةٌ و دموع ..

و حالٌ غابَ عن الجموع ..

 

أقوم لله في بيته المسجد ..

فأركع و أقوم و له – سبحانه – أسجد ..

 

أختتم صلاتي بالسلام

أحتضن مصحفاً ثم أقرأ و أقلّب الصفحات

 

تُقام الصلاة ..

يكبّر الإمام ..

أقف بين المصلين ..

أكبّر ثم أقرأ ..

 

أنتهي مِن الصلاة ..

و أطلبُ حاجتي مِن الله ..

 

و اليوم !!!

 

و اليوم لا غدوٌ و لا رواح !

بل هو هَمٌ على قلبي لم ينزاح ..

 

أقبعُ في غرفتي

يحتضنني سريرٌ عاش معي المرارة

أتحدث مع نفسي تارة و معه تارة ..

 

أتمنى أن أحمل مصحفاً بيدي ..

فيؤنسني في حاضري و الغدِ ..

 

هي دمعةُ شوقٍ مِن عيني تحدّرتْ

حاولت مسحها بأصابعي فعجزت ؟!

 

أمرتـُـها أن تختبئ خلف الجفون فعصتني ..

فتسللت مسرعةً على صفحِ خدي ..

 

و كأنها تقول :

دع عنك هذا الكتمان ..

دعني أخمد هذا البركان ..

 

بركانٌ في صدرك و نيران أسى ..

و همومٌ تجثم عليه في الصباح و المسا ..

 

دعني أتحدّر على خديك فلعلك ترتاح

و تنسى قليلاً مما اعتراك ..

 

خفضتُ جفني و قبـْـلـَـه رأسي ..

أتوارى مِن أعين أحدٍ يأتي فيراني .

 

دخل أخي و اتجّه إلى ثوبّه المعلّق ..

و قال : سأذهب للصلاة و أعود ..

فانتظرني يا نور الوجود ..

 

فلمّا خرج من عندي

قلت فليهنـِـكَ الركوع و السجود ..

و ليهنـِــكَ القيام بين يدي الله المعبود ..

 

أمّا أنا فسأفترش سريري !!

و سأصلي لله على ظهري ..

 

سأومئ برأسي و أشير ..

و أدعو العليَّ الكبير ..

 

فلعلَّ الهَــمَّ يـُـفرّج ..

و تهدأ نفسٌ تتلجلج ..

 

فيااااااارب .. ارفع الضرَّ عني ..

و جفف دموعاً نزلتْ مِن عيني ..

 

و اشرح بال المكلوم ..

و نفــّـس كَرب المهموم ..

 

و اهـــدِ مَــن متعتـّـه بصحته فما شكرك ..

و عصاك بنعمتك ..

 

فقد قومّت له العِظام ..

و لكنه ما استقام ..

 

و يااااااااارب إنك تعلمُ أنَّ رِجلي ما مشت إلى حرام ..

و إني لأشتاق لسجدةٍ بين يديك تعانقُ فيها جبهتي أرضك ..

فأصلي نافلتك و فرضك ..

 

فيااااااارب قوّم عظامي و حرّك أطرافي ..

فلازلتُ أشتاق لسجودٍ على أرض مصلاي .

 

و الحمد لله

 

=======================

 

كلماتٌ كتبتها ..

بعد أن تخيلت مشلولاً ، كان مطيعاً لله و منعته إعاقته مـِـن أحبِّ عباداته .

و مِن بيننا مــَن أنعمَ الله عليه فما انحنى ظهره راكعاً و لا مرّغ أنفه ساجداً ..

 

فتخيلت المُعاق يدافع دمعة شوقٍ ذرفتها عينه

و كأنه يقول :

 

 

نهرانِ للأشواقِ ، هذا بالرِضا = عَذْبٌ ، و هذا بالهمومِ أُجاجُ

عفاف … تلك الفتاة السمراء !

الجزء الأوّل …

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

 

 

اليوم .. سأحكي حكاية ..

و لو استطعت ، لنسجت رواية ..

 

 

حكاية عفاف ..

بل هي حكاية استعفاف ..

 

 

هي ليست حكاية مِن خيالي ..

أو فِكرة طرأت في بالي ..

 

 

بل هي حكاية حقيقية …

بطلتها (( عفاف ))

 

خرجت يومًا مِن محاضرتي ، و ذهبت لصديقةٍ لي في قِسم الرياضيات ..

كنت أعلم أنها في قاعة ( 17) ، قاعةٌ تحتوي على شبكة ( تلفزيون ) ، ليعطي الدكتور مِن خلالها محاضرته ..

 

مكثت في الخارِج أنتظر خروجها ، و لمّا فُـتِح باب القاعة ، و بدأت ( وفود ) الطالبات بالخروج ..

كنت أنظر إلى كل طالبة تخرج ، لعلّي أرى صديقتي ..

 

مِن بين الطالبات .. خرجت فتاةٌ سمراء !

لم يلفِت نظري ( سمارها ) ، فهذا أمر مألوف ..

لكن لفتت نظري ( هيئتها ) ..

كانت تلبس ( الشيلة ) السوداء و تغطّي به كامل رأسها ، لكنّ هذه ( الطَرحة ) انحسرت للخلف و بدت مقدّمة شعرها الأجعد ..

نظرت إليها و قد بدت مقدمّة شعرها و كان أشعث ..

و ربمّا عجزت ( الطَرحة ) عن لملمة هذا الشعَث ، فأخرجت شعرات مِن رأس عفاف و ( الطرحة ) مُرغمَة !

 

خرجت عفاف بذلك الجِسم النحيل جدًا ! و قد حملت معها أغراضها ، و بدأت تمشي بخطوات نحو ساحة الجامعة ..

كانت ( عفاف ) وحيدة ، و لم يخرج معها صاحبات !

 

حينها ..

خمّنت أنها ليست سعودية !

و أنها أتت مِن دولة أفريقية كي تدرس عندنا !

 

هكذا اعتقدت ، و هكذا فكّرت ..

 

ربما لأنني تعوّدت على ( بهرجة ) الطالبات ..

تعوّدت أن أرى الطالبات و هنّ في كامِل زينتهنَّ ! و كأنهنّ آتيات لحفل زفاف و ليس إلى جامعة و مكان عِلم !

 

ربما لأنني كنت أظن أنّـه لا يدخل الجامعة إلا الطبقة المقتدرة ..

لا أدري ..

لا أدري ، لماذا ظننت أنها أفريقية و ليست سعودية .

 

خرجت صديقتي مِن القاعة ، و مضيت معها إلى مكان جلوسنا ..

إلى تلك ( الفَــرشة ) الزرقاء التي تقبع في إحدى زوايا ساحة الجامعة .

كنت و صديقاتي العشرة نجتمع على تلك ( الفَـرشة ) ..

نضحك سويًا ، نمرح سويًا ..

و لنا أوقات جادّة ، نقرأ فيها مِن كتاب ، أو تـُـلقى كلمة مفيدة .

 

هُناك ..

على تلك الفرشة الزرقاء ، وجدت ( عفاف ) !

 

لا أدري لماذا اختارت فَرشتنا الزرقاء ؟؟

لا أدري لماذا اختارت الجلوس على تلك الفرشة و في تلك الزاوية ..

 

هُناك ..

و في زاوية ضيقة ، كنّا ( نُلقي ) بالعباءات فيها حتى لا يصِلها شيء مِن ( نفايات الساحة ) أو ( غبار الأرجل الماشية )

 

هُناك ..

و بجوار تلك العباءات كانت تجلس ( عفاف ) ..

كانت صامتة ، في عينها انكسار ..

كانت تجلس و قد انثنت على نفسها و ترقب الطالبات بعينيها ..

 

جلسنا ، و قامت بعض صديقاتي ليشترينَ لنا فطورًا مِن ( كافتيريا ) الجامعة ..

 

التفتت إحدى صديقاتي لتلك الزاوية فوجدت ( عفاف ) تنظر إلينا ثم تحاوِل أن تصرِف نظرها إلى ساحة الجامعة ..

ثم مدّت صديقتي مبلغًا إضافيًا و قالت ( اشتري كذا و كذا )

 

لمّا أُحضـِـر الفطور ، دعت صديقتي ( عفاف ) و طلبت منها أن تنضمّ إلينا و تشاركنا حلقتنا الكبيرة !

ثم أعطتها فطورها .

 

و ظلّت ( عفاف ) صامتة ..

منكفئة على نفسها ، تأكل على استحياء ..

 

حاولت أن امزح معها ، و أن أتحدّث إليها ، و كانت إجابتها بحركة رأسها فقط !

إمّا ” نعم ” أو ” لا ” !

 

فجعلني هذا الأمر أتأكد أن ( عفاف ) أفريقية !

 

لمّا بدأ موعِد المحاضرة ..

قامت عفاف ..

رأيت ذلك الجسد النحيل و ذلك الظهر الأحدب !

رأيت ( تنورتها ) و قد ارتفعت عن كعبيها قليلًا ، و كانت شِبه مهترئة و كأنها تلبسها منذ سنوات طويلة ..

رأيت ذلك ( النِعال ) و قد أدخلت رجليها فيه و كان أثر قِدَمِ الزمان يتحدّث عنه ..

 

قامت ( عفاف ) و هي تحمِل حقيبةً في جنبها و مضت ، بدون أن تسلّم علينا أو تتكلم بكلمة واحدة .

 

مضت سنة على رؤيتي لِـ ( عفاف ) ..

إن التقيتها فإني أجدها لا تفارِق تلك الزاوية !

أمدّ يدي مصافحةً لها ، فتمدّ يدها و هي صامتة !

أسأل عن حالها ، فتهزّ رأسها و قد تقول ( الحمد لله ) بصوت حزيييييين .

 

ثم تخرّجت صديقاتي و بقيت أنا ..

و العجيب أنّ ( عفاف ) بقيت كذلك !

 

و يشاء الله عز و جل أن أتعرّف على إحدى الطالبات مِن قِسم ( عفاف ) ..

و مِن خلالها ، عرفت مَن هي عفاف !

 

 

و العجيب أنّ ( عفاف ) كانت سعودية ! و مِن قبيلة معروفة و كبيرة .

 

*******************

 

سأكتب تفاصيل ( عفاف ) ، و تعرّفي عليها و حصولي على رقم جوالها

لكن في الجزءالثاني بإذن الله .

 

 

و شكر الله لكم

 

===========================

 

 

الجزء الثاني …

 

بعدما تخرّج صديقاتي  بقيت بعدهنّ ..

كنت أجلس على ( فَرشتنا ) الزرقاء !

و ما غيّرت المكان .

 

كنت أجلس وحدي ، و كنت وحيدة ، فلم يعد لديّ صديقات ..

و أنا اخترت أن أبقى وحيدة بدون صديقات !

و كنت أتذكّر ( عفاف ) ، و جلوسها لوحدها و بدون صديقات ..

 

ثم يشاء الله عز و جل أن أتعرّف على ( ريم ) و كانت في نفس قِسم ( عفاف ) ..

لم تكن ( ريم ) صديقتي ، و لكن قدّر الله أن أتعرّف عليها ..

و كنت أراها يوم الثلاثاء فقط ، حيث يوجد بيننا وقت فراغ مشترك مِن الساعة التاسعة و النصف حتى الحادية عشرة و النصف ..

كانت علاقتي بِـ ( ريم ) ، علاقة زمالة فقط .

 

كان تعرّفي على ريم في الفصل الدراسي الثاني ..

 

و كنت أرى ( عفاف ) بالصدفة !

لأنها هجرت الفَرشة الزرقاء … بينما بقيت أنا متشبثـّـة بها ؟!

 

إذا رأيتها كنت أمدّ يدي لمصافحتها و أهشّ لها و أبشّ ، و أسأل عن أحوالها ..

و كعادتها … تكتفي بإشارة الرأس ! و أحيانًا تقول ( الحمد لله ) .

 

و في يوم ..

أتت إليّ ( ريم ) و قالت :تعرفين ( عفاف ) ؟؟

قلت : نعم أعرفها ، أظنها ليست سعودية ؟!

قالت : بل هي سعودية و مِن قبيلة ( …… ) .

قلت : كنت أظنها أفريقية !

قالت بلغة حزينة و ذهول : لقد رأيتها رابطة بطنها مِن شدة جوعها !

و أستاذتنا تعرفها و تعرف أحوالها المادية ، و تعرف شدّة فَقرهم ، و قد تحدثت إليّ و إلى بعض صديقاتي كي نقدّم لها المساعدة ..

 

حينها أصابني الوجوم !

ظللت صامتة ، و كأني مذهولة مِن نفسي ..

كيف لم أشعر بحاجة ( عفاف ) ؟؟ كيف لم أعرِف فقرها الشديد ؟؟

 

نعم ..

هيئتها تدلّ على حالة الفقر ، لكنني لم أكن أتصوّر أن تُجمَع لها الصدقات ..

 

قالت لي ( ريم ) : نحن جمعنا مبلغًا ممتاز ، و نريد أن نوصله لها ، و لا يوجد مَن يوصله ..

قلت : أنا أستطيع ذلك ..

قالت : و هناك مبلغ خصصناه كي نشتري لهم بعض المواد الغذائية .. و لكن مَن يشتريها لهم ؟؟

قلت : لا بأس ، سأطلب مِن والدي و لن يقصّر إن شاء الله .

قالت ( ريم ) : تصدقّــين أنهم أحد عشر فردًا بالبيت و ( عفاف ) أكبرهم ..

و والدها لا يعمل ، و هُم فقراء للغاية .

 

قلت : الحمد لله الذي أغنانا عن خلقه ، أسأل الله العظيم أن يفرّج عنهم .

 

بعد يومين .. أحضرت لي ( ريم ) ظرف و فيه مبلغ كبير ..

و أخذت منها رقم ( الأستاذة ) كي تصِف لي عنوان بيت ( عفاف ) ..

و لمّا عدت إلى البيت : اتصلت بالأستاذة و أخذت منها الوصف ..

و ذهب والدي – وفقه الله – و اشترى لهم ما يحتاجون مِن مواد غذائية ..

 

و لكنني لم أعطِه المبلغ !!

 

أتدرون لماذا ؟؟

 

لأنّ ( عفاف ) قالت للأستاذة : والدي موجود بالبيت و لا أريده أن يعرِف بقِصّة المبلغ

دعيهم يحضرون الغذاء و المبلغ ، يأتون به فيما بعد .

 

ثم قلت للأستاذة : هاتي رقم ( عفاف ) ، حتى لا نتأخر و في كل مرّة نحتاج أن تكوني وسيطًا بيننا .

 

(( عفاف لا تملك مالًا لتشتري جوال أو تحصل على شريحة ، و إنما تبرّع لها أحدهم بشريحة جوال و جهاز ))

 

تبادر إلى ذهني سؤال ..

لماذا لا تريد ( عفاف ) أن يرى والدها المبلغ ؟؟

أتُـرى والدها يستحي مِن الصدقة ؟؟

 

لو كان يستحي مِن الصدقة ، لماذا خرج على والدي بِـ ( عصاة غليظة ) و كأنّـه سيواجِه مجرمًا !!

حتى أنّ والدي استغرب مِن طريقة ( والد عفاف ) ، و ( تبجّــحه ) و سوء معاملته و لسانه ..

 

ثمّ أخبرتنا الأستاذة ، خبرًا حزينًا موجعا ..

قالت : والد ( عفاف ) رجـُـلٌ مُدمِن !!

و يأخذ المال و يصرفه على إدمانه .. و كان يضرب ( عفاف ) حتى يأخذ مكافأتها الجامعية و ينفقه على شُربه و إدمانه .

 

حينها ( تراءت ) لي صورة عفاف ..

حُزنها ..

انكسارها ..

صمتها الطويل ..

 

و قلت : تحمّلتِ يا ( عفاف ) شيئًا كبيرا ..

 

ثمّ اتصلت على عفاف و قلت لها : أنا أختكِ ، و لا تستحي منّي في أمر و أي أمر تريدينه فبلغيني فورًا ..

 

(( عفاف ، لا تعرف أنني تلك ( الطالبة ) التي ألتقي بها في الجامعة ))

و لمّا سألت عن اسمي ..

لم أعطِها اسمي الحقيقي حتى لا تعرفني و تشعر بالحرج ، كلما رأتني بالجامعة ..

 

قلت لها : قولي لي ( أم يوسف )

 

و بقيت أقابلها بالجامعة ، و أتحدّث إليها ..

و سألتها مرّة : مَن يحضرك للجامعة ؟؟

قالت : والدي .

 

فأخذني الفضول كي أرى هذا الأب !!

 

الأب الذي كان مِن المفترض أن يكون مصدر أمان للعائلة ..

يكون منبع الحنان و حِصن الأولاد ..

 

لكنه ، و لشهوةٍ و نزوة ..

صار مصدر رُعب ..

صار أبناؤه يهربون منه ..

 

و في أحد الأيام كنت عند بوابة الخروج ألبس عباءتي ..

و رأيت ( عفاف ) تقِف بعيدًا عني و تلبس عباءتها ..

و أنا وقفت أنتظرها حتى تخرج و أخرج خلفها !

 

لبست العباءة و أدخلت يديها في القفازين ثم أسدلت الغطاء على وجهها و مضت للخارج ..

ثم تبعتها ، لأرى والدها ..

 

لمّا رأيته قلت ( حسبي الله و نِعم الوكيل ) .

 

كان يقِف بطريقة مائلة و يلبس ثوب أبيض ، فتح أغلب أزاريره ، و على رأسه ( شماغ ) قصيرة تصِل إلى أسفل كتفه قليلًا ..

و كان شكله ( منفّـر ) ، و لا أدري هل وجهه يحمل ( شارِب ) ، أم أنّ ( شاربه ) يحمل وجهه !

 

و لمّا اقتربت منه ، مضى أمامها و هي تسير منكسرة خلفه ، بتلك الحقيبة الكبيرة .

 

ثمّ مضيت إلى سيارة والدي و أحسست أنني لن أجازي والدي على إحسانه .

 

لم تنتهِ قِصة ( عفاف ) بتخرّجي ، فقد بقيت صلتي بها قائمة ..

فمِن المواقف المؤلمة ..

 

كنت في السيارة مع والدي ، و كنا ذاهبين إلى السوق لِنشتري ملابسًا لي

فانطلقت مِن جوالي ( نغمة رسالة ) ..

لمّا فتحتها وجدتها مِن ( عفاف ) و تقول فيها :

إذا عندكم ملابس ما تبغونها ، فنحن نحتاج إليها .

 

قلت : يا الله ..

أنا ذاهبة للسوق لأشتري الجديد ، و هي تطلب ملابسًا مستعملة ..

 

كم هِي النِعم التي أنعم الله بها علينا ، و لكننا غافلون .

 

 

و في يوم العيد ..

فرِح الجميع بالعيد ، و الكل بدأ يرسِل رسائل العيد

و فتحت قائمة الأسماء كي أرسل رسائل العيد ، ثم تخطّـيت اسم ( عفاف ) ..

لم يطرأ في بالي أن أهنئها بالعيد ، فهي لا تعرفني و أنا غاب عن ذهني أنها تحتاج لتهنئة ..

 

و في الظُهر ، رنّ جوالي ..

فنظرت في شاشة الجوال و رأيت اسم ( عفاف )

و فتحت الخط و كلمتني بذلك الصوت الكسير الحزين و هنأتني بالعيد ..

ثم أغلقت الخط قبل أن تكمِل الدقيقتين !

 

 

هذه هي ( عفاف ) ..

و اسمها الحقيقي ليس ( عفاف ) ! و لكنني اخترت لها هذا الاسم لأنها كانت ( عفاف ) ..

استعففت عن السؤال ..

لم تكن تشكي حاله لأحد ..

 

هي لا تعلم أنني أعلم بحال والدها ..

 

( عفاف ) كافحت و اجتهدت و تخرّجت مِن الجامعة بشهادة .

لم يمنعها فقرها مِن الدراسة .

 

أنا كتبت القِصة لأقول :

كَم مِن الآباء مَن يجني على أبنائه ..

كم نغفل عن أمثال هؤلاء الفقراء ..

كم نغمض أعيننا عن نِعم الله الكثيرة علينا و نركّز النظر على ما سُلِب منّا أو ما ابتلانا الله به .

كم طغت المصالِح على علاقاتنا ، و نسينا معنى التكافل .

 

كم و كم في هذه القصة ..

 

الله اعفُ عن جهلنا ، و ارحم ضعفنا ، و فرّج هًم كل مهموم ، بات ساهرًا يدعوك و قد أحرقت خدَّه دموعُـه ..

فيناجيك و يرتجي رحمتك ، و قد فقدَ كل حيلة و الناس لا يدرون عنه .

 

 

 

( يبه ) يا أقرب أقرابي = يا أغـلى ناسي و أحبابي

يا كـل الناس بعـيوني = دخيلك قـول لي ( لبيه )

*****

( يبه ) بأشرح لك أوضاعي = و بأشكي لك مِن أوجاعي

يبه شفني و شف وجـــهي = كسـاه مِن الحزن كاسيه

 

 

 

رابط الحِفظ

http://www.abunawaf.com/filesplus/20…-5k01VquCsR.rm

 

 

مع اختلاف السبب بين ( عفاف ) و بين صاحبة القِصة في الأنشودة .

« Older entries